من بين الفنون والمهارات العديدة التي تتطلبها صناعة الأفلام والفيديوهات أو المقاطع الوثائقيّة، يبقى المونتاج هو السحر الذي يربط جميع المكوّنات سويّاً، فبفضله تتسلسل المشاهد معاً أو تتداخل مشكّلةً الصورة الكبرى التي تعبر عن هويّة وهدف العمل الفنّي.
وعندما يتم المونتاج والتعديل بصورة متميّزة، يبقى خالداً في قلوب وأذهان المشاهدين لربّما أكثر من العمل بحد ذاته، لكن السؤال هنا يثير نفسه، كيف أعدّ مونتاجاً متميّزاً؟
صحيحٌ أن الفنّ لا يسير وفق قواعد صارمة، إلّا أنّه بالطبع بإمكاننا دائماً إيجاد خطوط موجّهة عريضة لتقود لنا الطريق، سنتعرف عليها معاً في هذا المقال.
دع الحركة تتدفّق بسلاسة
كما نعلم، فإنّ الفيلم هو تجميع لعدّة مقاطع، ومن الأخطاء التي يقع بها المبتدئون هي عدم مطابقة وضعيّة الكاميرا بين كل مقطع والآخر، أو التحرك باتجاهات عشوائيّة حيث تبدو الشخصيّة متجهة إلى الأمام ثمّ تنقلب زاوية التصوير في المشهد اللّاحق لتبدو في اتّجاه آخر تماماً، تأكّد من أنّ المنظور ثابت والحركة سلسة عند التنقل بين المشاهد وستأسر انتباه الناظر.
جرعات من التميز
بإمكانك جذب المشاهدين عن طريق توظيف مرئيّات غريبة أو مبهرة في الفيديو الخاص بك، إلا أنّ السر يكمن في عرضها بكميّات صغيرة على امتداد عرض الفيديو، وليس بشكل غير متوازن بحيث ينبهر المشاهد في لحظة ثم يشعر بالملل لاحقاً. (إلا أن هذا نفسه ليس بخطأ بل يستخدم بكثرة في أفلام الأكشن، ويبقى المقياس هو هدفك من المحتوى بالطّبع).
المؤثرات البصريّة
لسنا نتحدّث بالضرورة عن مؤثرات هوليوود أو الخدع المتقنة في صناعة الأفلام، يمكن أن يكون حركة انتقال بسيطة بين الإطارات إلا أنّ توظيفها تمّ في المكان والوقت المناسبين.
مثلاً عند عبور غرض متحرك عبر الشاشة سواء كان طائر أو دراجة ناريّة مسرعة يمكن تنسيق حركته مع انتقال بنفس الاتّجاه يكشف الستار عن المشهد التالي.
من التقنيات المستخدمة أيضاً للتأثير على المشاهد في مجال صناعة الأفلام أو الإعلانات المتقنة، هما تصحيح الألوان وتعديل تدرّجها، بإمكانك الاطّلاع أكثر عن هذا الموضوع هنا.
الموسيقا سلاح ذو حدّين
بإمكان الموسيقا التصويريّة رفع جودة العمل المعروض، وبالأخص إن كانت أغنية بكلمات يتوافق فحواها مع محتوى المشهد، إلّا أنّها قد تكون أيضاً منفّرة للمشاهد في حال عدم ملاءمتها، لذا من النصائح المفيدة هي تحضير عدّة بدائل وعرضها على عيّنة لاختبار تأثيرها وجمع الآراء.
من الطرق الذكيّة أيضاً لتوظيف الموسيقا هي توقيت الإيقاع مع نبضات الحركة في المشهد ما يجعله متماسكاً، ويمكّنك من الحفاظ على انتباه المشاهد، وتبقى الخيارات مفتوحة أمامك من هنا، فبإمكانك صدمه بمشهد على غفلة أو بث الضحكة لديه بموقف كوميدي غير متوقّع، الأمر يعتمد بالطبع على محتوى عملك وما ترغب بإيصاله من خلال المونتاج.
الصوت البشري هو أفضل موسيقا تصويريّة
في العديد من الأفلام، تقوم إحدى الشخصيات الرئيسيّة أو لربما الثانويّة بسرد الأحداث، لإضافة معلومات غير معروضة في القصّة، أو تهيئة المشاهد وتحفيز فضوله، وما قد يدهشك هو قدرة هذا التكنيك البسيط على خلق ألفة ما بين المشاهد والمحتوى المرئي وجعله يرغب بمشاهدته مرةً أخرى، بل وحتّى حفظ الجمل وترديدها معه.
من المخرجين المشهورين باستعمال هذه الطريقة هو Martin Scorcese بأفلام مثل Goodfellas وCasino وThe Wolf of Wall Street.
دع القصص تتقاطع
يكمن السر في هذا التكنيك البسيط في تقاطع أحداث قد تبدو عادية ومهملة لوحدها، مع أحداث ضخمة وذات تأثير كبير، مشكلان خليطاً من مختلف المشاعر لدى المشاهد، من أشهر الأمثلة لذلك هو مشهد المعموديّة في فلم العرّاب The Godfather.، أو عودة الملك في فلم ملك الخواتم The Lord of The Rings: Return of the King.
عندما تتقن هذه اللّعبة سيقع على عاتقك رفع مستوى التّحدي ومقاطعة القصص بمواقف أشد حرجاً لتخلق الفوضى التي ستصعق المشاهد في وقت لا يتوقّعه.
التكرار
قد يبدو التكرار أمراً مملّاً، لكن ليس في عالم المونتاج، حيث يستفز تكرار المشهد ذاته المشاهد ويجعله يتوق لمعرفة ما سيحصل وما الاحتمالات الممكنة في كل مرّة يتكرر بها، هل يبدو الأمر غير واضح؟ هيّا نحفز ذاكرتنا ببعض الأمثلة.
ربما Groundhog Day هو اوّل ما تبادر إلى ذهنك، هذا الفلم الذي لا ينسى فكرته بأكملها قائمة على التكرار، كذلك شبيهه من صنف أفلام الحركة فلم Edge of Tomorrow حيث يتعرّض بطلنا توم كروز للقتل مراراً وتكراراً، ولعشاق Game of Thrones هل تتذكّرون روتين سام المتكرر داخل القلعة Citadel ؟
خير الكلام ما قلّ ودل
من الأخطاء التي تصرف نظر المشاهد هي الإطالة، حتّى الأغاني التي يتم استعمالها في المونتاج يتم تقصيرها أو حذف أجزاء منها لتناسب المشاهد دون أن تضجرنا، قد تعتقد أنك بحاجة إلى المزيد من الوقت لتعرض فكرتك، لكن فقط عندما تتحدّى نفسك بمدّة زمنيّة معينة ستكتشف حينها كم بمقدورك الوصول إلى الزبدة بأسلس وأسرع الطرق، يعتبر صانعو الإعلانات أبطال هذه النقطة.
لكل فعل رد فعل
لا لم ننتقل للفيزياء، مازلنا في المونتاج، هذا مجرّد تذكير بسيط بأننا بشر، ونرغب برؤية ردود فعل الممثّلين عند حصول شيء شيّق! نعم من المذهل تصوير انقلاب الشاحنة، ومن الرائع أخذ لقطة عريضة للمشهد، لكن المشاهد يرغب أيضاً برؤية عيون الأطفال التي ترتعد خوفاً، وربّما ابتسامة شرير القصّة الخبيثة، لذا لا تنسى نصيب عملك من اللّقطات القريبة، Close-ups عند صناعة الأفلام أو المقاطع الترويجيّة أو الدعائيّة.
لا تتخم المشاهد
كمحرر مونتاج، صلاحياتك تقع ضمن هذا الإطار المربّع، ومن خلاله ستعرض كل ما في جعبتك للمشاهد، ولهذا على كل عنصر داخل الإطار أن يكون مدروساً بعناية، لا تشتت المشاهد بأمور لا مساهمة لها بالقصّة، كما لا تحشر جميع العناصر في مشهد واحد.
أيضاً، الخلفيّة تبقى خلفيّة، حتى وإن كان مشهداً لمقهى، لا تجعل الكومبارس مثيرين للاهتمام، أو تصوّر في مكان مزدحم ويعج بالحركة، على الأمور أن تبدوا طبيعيّة حتى إن لم تكن كذلك في الحياة الحقيقيّة، لكنها كذلك في عالم الكاميرا وبالأخص صناعة الأفلام.
هذه بعض الخفايا التي قمنا بتحليلها لكم لتستخدموها في عمليّة المونتاج القادمة، ليس بالضرورة استخدامها جميعها، لكن من المهم استخدامها بكفاءة ودقّة، وإن كان لابدّ من نصيحة وداع، فهي أن تجعل رؤيتك واضحة للممثّلين ليساعدوك في تحقيقها، فعند الفصل ما بين من يقف خلف الكاميرا ومن يقف أمامها، ستحصل على مشهد مفكك في أفضل الأحوال، أمّا إن لم يكن لديك رؤيا أساساًعند التصوير، فعندها ننصحك بقراءة المقال مجدّداً منذ البداية.